أحمد مصطفى المراغي

38

تفسير المراغي

لو تأملتم لعلمتم أن ما جاءكم به هو فخركم فكيف تعرضون عنه ؟ وهل تظنون أنه يسألكم أجرا على هدايتكم وإرشادكم ، فما عند اللّه خير مما عندكم وهو خير الرازقين . فها هو ذا قد تبين الرشد من الغىّ ، واستبان أن ما تدعوهم إليه هو الحق الذي لا محيص منه ، وأن الذين لا يؤمنون به عادلون عن طريق الحق ، وقد بلغوا حدا من التمرد والعناد لا يرجى معه صلاح ، فلو أنهم ردّوا في الآخرة إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه ، لشدة لجاجهم وتدسيتهم لأنفسهم . ولقد قتلنا سراتهم بالسيف يوم بدر ، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم ، ولا ردهم ذلك عما كانوا فيه ، بل استمروا في غيهم وضلالهم كما قال « فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا » . فإذا جاءتهم الساعة بغتة ، وأخذهم من عذاب اللّه ما لم يكونوا يحتسبون ، أيسوا من كل خير ، وانقطع رجاؤهم من كل راحة وسعادة . الإيضاح ( بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا ) أي بل قلوب المشركين في غفلة عن هدى القرآن والاسترشاد بما جاء به ، مما فيه سعادة الناس في دينهم ودنياهم ، فلو قرءوه وتدبروه لرأوا أنه كتاب ينطق بالصدق ، وأنه يقضى بأن أعمال المرء مهما دقّت فهو محاسب عليها ، وإن ربك لا يظلم أحدا من عباده . ثم ذكر جنايات أخرى لهم فوق جنايتهم السابقة فقال : ( وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ ) أي إن لهم أعمالا أخرى أسوأ من ذلك ، فقد أغرقوا في الشرك والمعاصي ، واتخذوا هذا الكتاب هزوا ، وجعلوه سمرهم في البيت الحرام يقولون فيه ما هو منه براء ، يقولون إن هو إلا سحر مفترى ، وما هو إلا أساطير الأولين ، وما هو إلا كلام شاعر ، ويتقوّلون على من أرسل به ، فيزعمون أنه رجل به جنّة ، وأنه قد تعلمه من غيره من أهل الكتاب ، وانغمسوا في عبادة